فصل: تفسير الآيات رقم (38- 39)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


الجزء الثاني

سورة الأعراف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏المص ‏(‏1‏)‏ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏2‏)‏ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله جَلَّتْ عظمتُهُ‏:‏ ‏{‏المص كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ تقدم القول في تَفْسِيرِ الحروف المقطعة في أوائل السور، والحَرَجُ‏:‏ الضيقُ ومنه‏:‏ الحَرِجَةُ؛ الشجر الملتف الذي قد تَضَايَقَ، والحرج هاهنا يعم الشَّك، والخوف، والهم، وكلَ ما يَضِيقُ الصدر، والضمير في «منه» عائد على الكتاب، أي‏:‏ بسبب من أسبابه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ‏}‏ اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس‏:‏ إن فيه تَقْدِيماً وتأخيراً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وذكرى‏}‏ معناه تَذْكرة وإِرشاد‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ‏}‏ أَمْرٌ يعمُّ جَمِيعَ الناس، ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ‏}‏، أي‏:‏ من دون ربَكُمُ ‏{‏أَوْلِيَاءَ‏}‏ يريد‏:‏ كل مَنْ عُبِدَ، واتبعَ من دون اللَّه، ‏{‏وقليلاً‏}‏‏:‏ نعت لمصدر نصب بفعل مُضْمَر‏.‏

وقال مكي‏:‏ هو منصوب بالفِعْلِ الذي بَعْدَهُ، و«ما» في قوله‏:‏ ‏{‏مَّا تَذَكَّرُونَ‏}‏ مصدرية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 5‏]‏

‏{‏وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ‏(‏4‏)‏ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ‏}‏ قالت فرقة‏:‏ المراد وكم من أَهْلِ قرية‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم في العُقُوبَةِ، و«الفاء» في قوله سُبْحَانَهُ‏:‏ ‏{‏فَجَاءَهَا بَأْسُنَا‏}‏ لترتيب القَوْلِ فقط‏.‏

وقيل‏:‏ المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ و‏{‏بياتا‏}‏، نصب على المصدر في مَوْضِعٍ الحال، و‏{‏قَائِلُونَ‏}‏ من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ والسكون؛ لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ؛ لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ‏.‏

قال أبو حيان‏:‏ أو للتفصيل، أي‏:‏ جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلاً، وبعضهم نَهَارَاً انتهى‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين‏}‏ هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن المراد في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى في كلام العَرَبِ تأتي لمعنين‏:‏

أحدهما‏:‏ الدعاء، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 15‏]‏‏.‏

والثاني‏:‏ الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال‏:‏ لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار، والاعتراف، أي‏:‏ هذا كان بَدَلَ الدعاء، والادعاء، واعترافهم‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّا كُنَّا ظالمين‏}‏ هو في المُدَّةِ التي ما بين ظُهُورِ العَذَابِ إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مُهْلَةٌ بحسب نَوْعِ العذاب تَتَّسِعُ لهذه المَقَالَةِ، وغيرها‏.‏

وروى ابن مَسْعُودٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ما هَلَكَ قَوْمٌ حتى يعذروا من أنفسهم ‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 7‏]‏

‏{‏فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏6‏)‏ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية وعيد مِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لجميع العالم أخبر سبحانه أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم، ويسأل النَّبيين عما بَلَّغُوا، وهذا هو سُؤَالُ التقرير، فإن اللَّه سبحانه قد أَحَاطَ علماً بكل ذلك قبل السؤال، فأما الأَنْبِيَاءُ وَالمُؤْمِنون، فيعقبهم جوابهم رَحْمَةً وكرامة، وأما الكفار، ومن نفذ عليه الوَعِيد من العُصَاةِ، فيعقبهم جوابهم عَذَاباً وتوبيخاً‏.‏

* ت *‏:‏ وروى أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب «فَضْلِ العلمِ» بِسَنَدِهِ عن مَالِك أنه قال‏:‏ بلغني أن العلماء يُسْأَلُونَ يوم القيامة كما تُسْأَلُ الأنبياء يعني عن تَبْلِيغ العِلمِ انتهى‏.‏

وخرج أبو نُعَيْم الحافظ من حديث الأَعْمَشِ، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما من عَبْدٍ يخطو خطوةً إِلا يُسْأَلُ عنها ما أَرَادَ بها ‏"‏‏.‏ وقد ذكرنا حَدِيثَ مسلم عن أبي برزة في غير هذا المَوْضِعِ‏.‏ وخرج الطبراني بسنده عن ابن عُمَرَ قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ دَعَا اللَّه بِعَبْدٍ من عِبَادِهِ، فيوقفه بين يَدَيْهِ، فيسأله عن جَاهِهِ، كما يسأله عن عَمَلِهِ ‏"‏ انتهى‏.‏

وروى مالك عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال‏:‏ بلغني أن أَوَّلَ ما ينظر فيه من عَمَلِ الْمَرْءِ، الصلاة، فإن قُبِلَتْ منه نُظِرَ فيما بقي من عَمَلِهِ، وإِن لم تُقْبَلْ منه لم يُنْظَرْ في شَيْءٍ من عمله‏.‏

وروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه معنى هذا الحديث مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أول ما يُحاسَبُ به النَّاسُ يوم القِيَامَةِ من أعمالهم الصَّلاَةُ ‏"‏ قال‏:‏ يقول رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ للملائكة انْظُرُوا في صَلاَةِ عَبْدِي أتمَّهَا أم نَقَصَها، فإن كانت تَامَّةً كتبت تَامَّةً، وإن كان انتُقِصَ منها شيءٌ، قال الله‏:‏ انظروا هل لعبدي من تَطَوُّعٍ‏؟‏ فإن كان له تَطَوَّع قال‏:‏ أتموا لعبدي فَرِيضَتَهُ من تَطَوُّعِهِ، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك‏.‏ انتهى‏.‏

واللفظ لأبي داود‏.‏

وقال النسائي‏:‏ ثم سائر الأعمال تجري على ذلك انتهى من «التذكرة»

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ‏}‏ أي‏:‏ فَلنسْرِدَنَّ عليهم أعمالهم قِصَّةً قصة، ‏{‏بِعِلْمٍ‏}‏ أي‏:‏ بحقيقة ويقين ‏{‏وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏8‏)‏ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ‏(‏9‏)‏ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والوزن يَوْمَئِذٍ الحق‏}‏ التقدير‏:‏ والوزن الحق ثابت، أو ظاهر يومئذٍ، أي يوم القيامة‏.‏

قال جمهور الأُمَّةِ‏:‏ إنَّ اللَّه عز وجل أراد أن يبين لعباده أن الحِسَابَ والنظر يوم القِيَامَةِ هو في غَايَةِ التحرير، ونهاية العَدْلِ بأَمْرٍ قد عرفوه في الدُّنْيَا، وعهدته أفهامهم، فميزان القِيَامَةِ له عمود وَكِفَّتَانِ على هيئة مَوَازِينِ الدنيا، جَمَع لفظ «المَوَازِين»؛ إذ في الميزان مَوْزُونَاتٌ كثيرة، فكأنه أراد التَّنْبِيه عليها‏.‏

قال الفخر‏:‏ والأظْهَرُ إثبات مَوَازِينَ في يوم القيامة لا ميزان واحدِ، لظواهر الآيات، وحمل الموازين على الموزنات، أو على الميزان الواحد يوجبان العُدُولَ عن ظَاهِرِ اللفظ، وذلك إنما يُصَارُ إليه عند تَعَذُّرِ حَمْلِ الكلام على ظَاهِرِهِ، ولا مانع هاهنا منه، فوجب إِجْرَاءُ اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات مِيزانٍ له كِفَّتان، فكذلك لا يمتنع إِثْبَاتُ موازين بهذه الصِّفَةِ، وما الموجب لتَرْكِهِ، والمصير إلى التأويل‏.‏ انتهى‏.‏ قال أبو حَيَّان‏:‏ موازينه جُمِعَ باعتبار المَوْزُونَاتِ، وهذا على مذهب الجمهور؛ في أن الميزَانَ واحد‏.‏

وقال الحسن‏:‏ لكل واحدِ ميزَانٌ، فالجمع إذن حَقِيقَةٌ انتهى‏.‏

والآيات هُنَا البَرَاهِينُ والأوامر والنواهي‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ مكناكم فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية خطاب لجميع الناس، والمعايش‏:‏ بكسر الياء دون هَمْزٍ جمع معيشة، وهي لفظة تعمُّ جَمِيعَ المأكول الذي يُعَاشُ به، والتحرف الذي يُؤَدِّي إليه، ‏{‏وقَلِيلاً‏}‏ نصب ب ‏{‏تَشْكُرُونَ‏}‏ ويحتمل أن تكون ‏{‏مَّا‏}‏ مع الفعل بتأوليل المَصْدَرُ، و‏{‏قَلِيلاً‏}‏ نعت لِمَصْدَرٍ محذوف، تقديره‏:‏ شكراً قليلاً شكركم، أو شكراً قليلاً تشكرون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 18‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ‏(‏11‏)‏ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ‏(‏12‏)‏ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ‏(‏13‏)‏ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏14‏)‏ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ‏(‏15‏)‏ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ‏(‏17‏)‏ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة‏.‏

واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية؛ لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة‏:‏ المُرَادُ بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم‏}‏ آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ المعنى‏:‏ ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ‏.‏

وقال ابن عباس، والربيع بن أنس‏:‏ أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» فذرّيته في بُطُونِ الأمهات‏.‏

وقال قتادة، وغيره‏:‏ بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير، ‏{‏وثُمَّ‏}‏ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين * قَالَ أَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم‏}‏ تقدم الكلام على قَصَصِ الآية في «سورة البقرة»‏.‏

«وما» في قوله‏:‏ ‏{‏مَا مَنَعَكَ‏}‏ استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و«لا» في قوله‏:‏ ‏{‏أَلاَّ تَسْجُدَ‏}‏ قيل‏:‏ هي زائدة، والمعنى‏:‏ ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان‏:‏ إنها زائدة، كهي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 29‏]‏‏.‏

قال‏:‏ ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 75‏]‏ في «صا» انتهى‏.‏ وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن ‏[‏لما‏]‏ جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال‏:‏ منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين‏.‏

وقال الطبري‏:‏ ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا‏:‏ أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس‏.‏ وإنما خُرِّجَ كلامهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخَوَارِجِ وغيرهم، فأراد حمل الناس على الجَادَّةِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاهبط مِنْهَا‏}‏ الآية‏:‏ يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء، لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ مِنَ الصاغرين‏}‏ حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ‏:‏ الذل قاله السدي‏.‏

ومعنى‏:‏ ‏{‏أَنظِرْنِي‏}‏ أخِّرْنِي فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى‏.‏ قاله أكثر الناس وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَبِمَا‏}‏ يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏فَبِعِزَّتِكَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 82‏]‏ و‏{‏أَغْوَيْتَنِي‏}‏ قال الجمهور‏:‏ معناه‏:‏ أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي‏:‏ قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك‏}‏ المعنى‏:‏ لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه‏.‏

ومنه قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال‏:‏ تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال‏:‏ تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال‏:‏ تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديث‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين * قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أجْمَعِينَ‏}‏ مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين‏.‏

قال الفخر‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم‏}‏ أي‏:‏ على صِرَاطِكَ‏.‏ أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين‏}‏ أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك‏.‏

قال ابن عباس، وقتادة‏:‏ إلا أن إبليس لم يَقُلْ‏:‏ إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل‏.‏

ومنه قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 20‏]‏ فجعل أكثر العَالَم كَفَرَةً، ويُبَيِّنُهُ قوله صلى الله عليه وسلم في الصَّحيح‏:‏ ‏"‏ يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول‏:‏ يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول‏:‏ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ ‏"‏

ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأَسْوَدِ ‏"‏

و ‏{‏شاكرين‏}‏ معناه‏:‏ مُؤْمنين؛ لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن‏.‏ قاله ابن عباس وغيره‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏اخرج مِنْهَا‏}‏ أي‏:‏ من الجنة ‏{‏مَذْءُوماً‏}‏ أي مَعِيباً ‏{‏مَّدْحُوراً‏}‏؛ أي مقصيًّا مبعداً‏.‏

‏{‏لَّمَن تَبِعَكَ‏}‏ بفتح اللام هي لام قَسَم‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ الظاهر أنها المُوَطِّئة لِلْقَسَمِ، و«من» شرطية في موضع رَفَعٍ بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جَوَابِ القَسَم عليه، ويجوز أن تكون لام ابتداء، و«من» موصولة في مَوْضَعِ رَفْعٍ بالابتداء، والقَسَمُ المحذوف، وجوابه، وهو «لأملأن» في موضع خبرها‏.‏ انتهى‏.‏

وقال الفَخْر‏:‏ وقيل‏:‏ ‏{‏مَذْءُوماً‏}‏، أي‏:‏ محقوراً؛ فالمَذْؤومُ المحتقر‏.‏ قاله الليث‏.‏

وقال ابن الأنباري‏:‏ المَذْؤُومُ المذموم‏.‏

وقال الفَرّاءُ‏:‏ أَذْأَمْتُهُ إِذا عَيَّبْتُهُ‏.‏ انتهى‏.‏

وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏ اللهم إنا نَعُوذُ بك من جَهْدِ البَلاَءِ، وسوء القَضَاءِ، ودَرك الشَّقَاء، وشَمَاتَة الأعداء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 21‏]‏

‏{‏وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏19‏)‏ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ‏(‏20‏)‏ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

وقوله جل وعلا‏:‏ ‏{‏وَيَا آدَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين‏}‏

إذا أُمِرَ الإنسان بِشَيْءٍ، وهو متلبس به، فإنما المقصد من ذلك أن يستمر على حاله، ويتمادى في هَيْئَتِهِ‏.‏

وقوله سبحانه لآدم‏:‏ ‏{‏اسكن‏}‏ هو من هذا البَابِ، وقد تَقَدَّمَ الكلام في «سورة البقرة» على «الشَّجَرَةِ»، وتعيينها، وقوله سبحانه‏:‏ «هذه» قال ‏(‏م‏)‏‏:‏ الأَصْلُ هَذِي، وَالهَاءُ بَدَلٌ من الياء، ولذلك كسرت الذال، إذ ليس في كلامهم هاء تأنيث قبلها كسرة انتهى‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سوءاتهما‏}‏ الوَسْوَسَةُ الحديث في إخفاء همساً وإسْرَاراً من الصوت، والوسواس صَوْتُ الحُلِيِّ، فشبه الهمس به، وسمى إِلْقَاءُ الشيطان في نَفْسِ ابن آدم وَسْوَسَةً، إذ هي أَبْلَغُ الإسرار وأخفاه‏.‏ هذا في حال الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم، فممكن أن تكون وَسْوَسَة بمُحَاوَرَةٍ خفية، أو بإلقاء في نَفْسٍ، واللام في «ليبدي» هي في قول الأكثرين لام الصَّيْرُورَةِ والعاقبة، ويمكن أن تكون لام «كي» على بابها‏.‏

وما ‏{‏مَا وُورِيَ‏}‏ معناه ما ستر من قولك‏:‏ وارى يُوَارِي إذا ستر، والسَّوْأَةُ الفَرْجُ والدُّبر، ويشبه أن يسمى بذلك؛ لأن منظره يسوء‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ إن هذه العِبَارَةَ إنما قصد بها أنها كُشِفَتْ لهما مَعَائِبهما، وما يسوءهما، ولم يقصد بها العورة، وهذا القَوْلُ محتمل، إلا أن ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ إلا أن يُقَدَّرَ الضمير في ‏{‏عَلَيْهِمَا‏}‏ عائد على بدنيهما فيصحّ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ مَا نهاكما‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، هذا القول المَحْكِيُّ عن إبليس يدخله من التأويل ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ، فممكن أن يقول هذا مخاطبةً وحِوَاراً، وممكن أن يقولها إلْقَاءً في النفس، وَوَحْياً‏.‏

و ‏{‏إِلاَّ أَن‏}‏ تقديره عن سيبويه والبصريين‏:‏ إلا كراهِيَة أن، وتقديره عند الكوفيين ‏"‏ إلا أن لا ‏"‏ على إضمار «لا»، ويرجح قَوْلُ البصريين أن إضمار الأسماء أَحْسَنُ من إِضْمَارِ الحروف‏.‏

وقرأ جمهور الناس «مَلَكَيْنِ» بفتح اللام‏.‏

وقرأ ابن عباس‏:‏ «مَلِكَيْنِ» بكسرها، ويؤيده قوله‏:‏ ‏{‏وَمُلْكٍ لاَّ يبلى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 120‏]‏ وقال بعض الناس‏:‏ يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أَفْضَلُ من البَشَرِ، وهي مسألة اختلف النَّاسُ فيها، وتمسَّكَ كل فريق بِظَوَاهِرَ من الشريعة، والفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يَشَاءُ‏.‏

و ‏{‏قَاسَمَهُمَآ‏}‏ أي‏:‏ حلف لهما باللَّه، وهي مُفَاعلة، إذ قبول المحلوف له اليمين كالقسم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 25‏]‏

‏{‏فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏22‏)‏ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏23‏)‏ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ‏(‏24‏)‏ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فدلاهما بِغُرُورٍ‏}‏ قال‏:‏ * ع *‏:‏ يشبه عندي أن تكون هذه اسْتعَارَةً من الرَّجُلِ يدلي آخر من هُوَّةٍ بحبل قد أَرمَ أو سَبَبٍ ضعيف يغترُّ به، فإذا تَدَلَّى به، وتوركَ عليه، انقطع به، وهلك، فيشبه الذي يغرُّ بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة بالذي يُدْلي من هوة بِسَبَبٍ ضعيف‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بَدَتْ‏}‏ قيل‏:‏ تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، وَتَطَايَرَتْ تَبرِّياً منهما، و‏{‏يَخْصِفَانِ‏}‏ معناه‏:‏ يلصقانها، والمخصف الأشفى وضم الورق بعضه إِلَى بَعْضٍ أشبه بالخَرَزِ منه بالخياطة‏.‏

قال البخاري‏:‏ يَخْصِفَانِ يؤلفان الوَرَقَ بعضه إلى بعض انتهى‏.‏ وهو معنى ما تقدم‏.‏

وروى أبيٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم عليه السلام كان يَمْشي في الجنة كأنه النخلة السَّحُوقُ فلما أَكَلَ من الشجرة وَبَدَتْ له حاله فَرَّ على وَجْهِهِ، فأخذت شجرة بِشَعَرِ رَأْسِهِ، فقال لها‏:‏ «أرسليني» فقالت‏:‏ ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جَلَّ وَعَلاَ أَمِنِّي تفرُّ يا آدم‏؟‏ فقال‏:‏ لا يَا رَبّ، ولكن أَسْتَحْيِيكَ، فقال‏:‏ أما كان لك فيما مَنَحْتُكَ من الجنة مندوحة عما حرمت عليك‏.‏ قال‏:‏ بلى يا رب، ولكن وَعِزَّتَكَ مَا ظَنَنْتُ أن أحداً يَحْلِفُ بك كَاذِباً، قال‏:‏ فبعزَّتي لأهبطنك إِلى الأَرْضِ، ثم لا تنال العَيْشَ إلا كدًّا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏عَن تِلْكُمَا‏}‏ بِحَسَبِ اللفظ أنه إنما أشار إلى شَجَرَةٍ مخصوصة، ‏{‏وَأَقُل لَّكُمَآ‏:‏ إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ‏}‏ إشارة إلى الآية التي في «طه» في قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 117‏]‏ وهذا هو العَهْد الذي نَسِيَهُ آدم على مَذْهَبِ من جعل النسيان على بابه، وقولهما‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا‏}‏ اعتراف من آدَمَ وحواء عليهما السلام وطَلَبٌ للتوبة، والستر، والتغمُّد بالرحمة، فطلب آدم هذا، فأجيب، وطلب إبليس النَّظِرَةَ، ولم يطلب التَّوْبَة، فوكل إلى سوء رأيه‏.‏

قال الضحاك وغيره‏:‏ هذه الآية هي الكَلِمَاتُ التي تلقى آدم من رَبِّهِ، وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قَالَ اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‏}‏ المُخَاطَبَةُ بقوله‏:‏ ‏{‏اهبطوا‏}‏‏.‏

قال‏:‏ أبو صَالِحٍ، والسدي، والطبري، وغيرهم‏:‏ هي لآدم، وحوّاء، وإبليس، والحية‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ هي مخاطبة لآدم وذريته، وإبليس وذريته‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا ضَعِيفٌ لعدمهم في ذلك الوَقْت‏.‏

* ت *‏:‏ وما ضعفه رحمه اللَّه صَحَّحَهُ في «سورة البقرة»، فتأمله هناك، وعداوة الحية معروفة‏.‏

روى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ ‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يابني ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يواري سوءاتكم‏}‏ الآية خِطَابٌ لجميع الأمم وَقْتَ النبي صلى الله عليه وسلم والسَّبَب والمراد‏:‏ قريش، ومَنْ كان مِنَ العَرَبِ يتعرَّى في طَوَافِهِ بالبيت‏.‏

قال مجاهد‏:‏ ففيهم نَزَلَتْ هذه الأربع آيات‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَنزَلْنَا‏}‏ يحتمل التَّدْرِيجَ أَي‏:‏ لما أنزل المَطَر، فكان عنه جميع ما يلبس، ويحتمل أن يريد ب ‏{‏أَنزَلْنَا‏}‏ خلقنا، كقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأنعام ثمانية أزواج‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 6‏]‏، ‏{‏وَأَنزَلْنَا الحديد‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏ و‏{‏لِبَاساً‏}‏ عام في جميع ما يُلْبَسُ، و‏{‏يواري‏}‏‏:‏ يستر‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ «وريشاً»، وقرأ عاصم، وأبو عمرو «ورياشاً» وهما عِبَارَتَانِ عن سَعَةِ الرزق، ورفاهة العَيْشِ، وَجَوْدَةِ الملبس والتمتع‏.‏

وقال البخاري‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ وريشاً‏:‏ المال انتهى‏.‏

وقرأ نافع، وغيره‏:‏ «ولباسَ» بالنصب‏.‏

وقرأ حمزة، وغيره بالرفع‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك مِنْ آيات الله‏}‏ إشارة إلى جَمِيعِ ما أنزل اللَّه من اللِّبَاسِ والرِّيشِ‏.‏ وحكى النَّقَّاشُ‏:‏ أن الإِشَارَةَ إِلى لِبَاسِ التَّقوى؛ أي‏:‏ هو في العبد آية؛ أي‏:‏ علامة وأمارة من اللَّه تعالى أنه قد رَضِيَ عنه، ورحمه‏.‏

وقال ابن عَبَّاسٍ‏:‏ لباس التقوى هو السَّمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ‏.‏ وقاله عثمان بن عفان على المنبر‏.‏

وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً‏:‏ هو العَمَلُ الصالحَ‏.‏

وقال عُرْوَةُ بن الزبير‏:‏ هو خَشْيَةُ اللَّه وقيل‏:‏ هو لباس الصوف، وكل ما فيه تواضع لله عز وجل‏.‏

وقال الحَسَنُ‏:‏ هو الوَرَعُ‏.‏

وقال معبد الجهني‏:‏ هو الحَيَاءُ‏.‏

وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً‏:‏ لِبَاسُ التقوى العفة‏.‏

قال * ع * وهذه كلها مثل، وهي من لباس التقوى، و‏{‏لَعَلَّهُمْ‏}‏ تَرَجٍّ بحسبهم، ومبلغهم من المعرفة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يابني آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجنة‏}‏ الآية‏:‏ خطاب لجميع العالم، والمقصود بها في ذلك الوَقْتِ مَنْ كان يطوف من العَرَبِ بالبيتِ عُرْيَاناً‏.‏

قيل‏:‏ كانت العَرَبُ تَطُوفُ عُرَاةً إِلا الحُمْس، وهم قريش، ومن وَالاَهَا، وهذا هو الصحيح، ثم نودي ب «مكة» في سنة تسع‏:‏ لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان والفتنة في هذه الآية الاسْتِهْوَاءُ، والغَلَبَةُ على النفس، وأضاف الإِخْرَاجَ في هذه الآية إلى إبليس تجوُّزاً لما كان هو السَّبَب في ذلك‏.‏

قال أبو حيان‏:‏ ‏{‏كَمَا أَخْرَجَ‏}‏ «كما» في موضع نَصْبٍ، أي‏:‏ فتنة مثل فتنة إِخْرَاجِ أبويكم انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ يَرَاكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية زيادة في التحذير، وإعلام بأن اللَّه عز وجل قد مَكَّنَ إبليس من بَني آدَمَ في هذا القدر، وبحسب ذلك يَجِبُ أن يكون التَّحَرُّزُ بِطَاعَةِ اللَّه عز وجل وقَبِيلُ الشيطانُ يُرِيدُ نوعه، وصنفه، وذريته، والشيطان مَوْجُودٌ، وهو جسم‏.‏

قال النووي‏:‏ وروينا في كتاب ابن السّني عن أَنَسٍ قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ستر ما بين أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ إِذَا أَراد أن يطرح ثِيَابَهُ‏:‏ بسم اللَّه الذي لا إله إِلاَّ هُوَ ‏"‏ انتهى‏.‏

وعن علي رضي اللَّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ ستر ما بين الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدَمَ إِذا دَخَلُوا الكُنُفَ أَن يقولوا‏:‏ بسم اللَّه ‏"‏‏.‏ رواه الترمذي، وقال‏:‏ إسناده ليس بالقَوِيِّ‏.‏

قال النووي‏:‏ قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم‏:‏ يجوز ويُسْتَحَبُّ العَمَلُ في الفَضَائِلِ، والترغيب، والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً وأما الأحكام كالحَلاَلِ، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك فلا يُعْمَلُ فيها إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن إلا أن يكون في احْتِيَاطٍ في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف بكَرَاهِةِ بعض البيوع، أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزَّه عنه، ولكن لا يَجِبُ انتهى‏.‏

ونحوه لأبي عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم»‏:‏ ثم أخبر عز وجل أنه صَيَّرَ الشياطين أولياء، أي‏:‏ صحابة، ومتداخلين للكفرة الذين لا إيمان لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 30‏]‏

‏{‏وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏28‏)‏ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ‏(‏29‏)‏ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ وإذا فَعَلُوا وما بعده دَاخِلٌ في صفة الذين لا يؤمنون، والفاحشة في هذه الآية، وإن كان اللفظ عَامّاً هي كَشْفُ العَوْرَةِ عند الطَّوَافِ، فقد روي عن الزهري أنه قال‏:‏ إن في ذلك نزلت هذه الآية‏.‏ وقاله ابنَ عَبَّاسٍ ومجاهد‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط‏}‏ تضمن معنى اقسطوا، ولذلك عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وَأَقِيمُواْ‏}‏ حملاً على المعنى، والقِسْطُ العَدْلُ واختلف في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ‏}‏ فقال مجاهد، والسدي‏:‏ أراد إلى الكعبة، والمقصد على هذا شَرْعُ القبلة والتزامها‏.‏

وقيل‏:‏ أراد الأمر بإحضار النية لله في كُلِّ صَلاَةٍ، والقصد نحوه، كما تقول‏:‏ وَجَّهْتُ وَجْهِي لله قاله الربيع‏.‏

وقيل‏:‏ المراد إبَاحَةُ الصلاة في كُلِّ موضع من الأرض، أي‏:‏ حيث ما كنتم فهو مَسْجِدٌ لكم تلزمكم عند الصَّلاَةِ إقامة وجوهكم فيه لله عز وجل‏.‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ‏}‏ قال ابن عَبِّاسٍ، وقتادة، ومجاهد‏:‏ المعنى‏:‏ كما أوجدكم، واخترعكم، كذلك يعيدكم بعد الموتِ والوقف على هذا التأويل تعودون و«فريقاً» نصب ب «هدى» والثاني منصوب بِفِعْلٍ تقديره‏:‏ وعذب فريقاً‏.‏

وقال جابر بن عبد اللَّه وغيره، وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المُرَادَ الإعلام بأن مَنْ سَبَقَتْ له من اللَّه الحُسْنَى، وكتب سعيداً كان في الآخِرَةِ سَعِيداً، ومن كتب عليه أنه من أَهْلِ الشَّقَاءِ، كان في الآخرة شَقِيًّا، ولا يتبدَّل من الأمور التي أحكمها وَدَبَّرَهَا، وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله‏:‏ ‏{‏تَعُودُونَ‏}‏ غير حسن ‏{‏وَفَرِيقاً‏}‏ على هذا التأويل نصب على الحال، والثاني عطف على الأول‏.‏

‏{‏وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ‏}‏ معناه‏:‏ يظنُّونَ‏.‏

قال الطبري‏:‏ وهذه الآية دَلِيلٌ على خَطَإ من زَعَمَ أن اللَّه لا يعذب أحداً على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها على عِلْمٍ منه بموضع الصواب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يابني آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ‏}‏ الآية‏:‏ هذا خطاب عَامٌ لجميع العالم كما تقدم، وأمروا بهذه الأَشْيَاءِ بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مُشْرِكِي العَرَبِ فيها، والزينة الثياب الساترة‏.‏ قاله مجاهد وغيره‏.‏ و‏{‏عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ‏}‏ أي‏:‏ عند كل مَوْضِعِ سُجُودٍ، فهي إشارة إلى الصلوات، وستر العورة فيها‏.‏

* ت *‏:‏ ومن المستحسن هنا ذكر شيء مما جاء في اللِّبَاسِ، فمن أحسن الأحاديث في ذلك، وأصحها ما رواه مالِكٌ في «الموطأ» عن أبي سَعيدٍ الخدري، قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ إنَّ أُزْرَةَ المُؤْمِنِ إِلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لا جُنَاحَ عليه فيما بينه وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ ما أَسْفَلَ من ذَلِكَ، ففي النَّارِ ‏"‏ قال ذلك ثلاث مرات‏:‏ ‏"‏ لاَ يَنْظُرُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً ‏"‏‏.‏ وحدث أبو عمر في «التمهيد» بسنده عن ابن عُمَرَ قال‏:‏ فيما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الإزَارِ فهو في القَمِيصِ يعني ما تَحْتَ الكَعْبَيْنِ من القَمِيصِ في النار، كما قال في الإزَارِ، وقد روى أبو خيثمة زهير بن مُعَاوِيةَ قال‏:‏ سمعت أَبا إِسْحَاقَ السبيعي يقول‏:‏ أدركتهم وقمصهم إلى نِصْفِ الساق أو قريب من ذلك، وكُمُّ أحدهم لا يُجَاوِزُ يَدَهُ انتهى‏.‏ وروى أبو داود عن أسماء بنت يَزِيدَ قالت‏:‏ كانت يَدُ كُمِّ قَمِيصِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الرّسْغ، وأما أحبُّ اللِّبَاسِ فما رواه أبو داود عن أم سلمة؛ قالت‏:‏ كان أحبّ الثياب إلى رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم القميص‏.‏ انتهى‏.‏

وجاء في المُسْبِلِ وَعيدٌ شديد؛ وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل أَسْبَلَ إزاره‏:‏ ‏"‏ إن هذا كان يصلي وهو مُسْبِلٌ إزَارَهُ وإِن اللَّه لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مسبل إزاره ‏"‏ رواه أبو داود‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَكُلُواْ واشربوا‏}‏ إباحة لما التزموه من تَحْرِيمِ اللحم، والودك في أيام المواسم‏.‏ قاله ابن زَيْدٍ وغيره، ويدخل في ذلك البَحِيرَةُ والسائبة، ونحو ذلك نصّ على ذلك قَتَادَةُ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُسْرِفُواْ‏}‏ معناه‏:‏ ولا تفرطوا‏.‏ قال أهل التأويل‏:‏ يريد تُسْرِفُوا بأن تحرموا ما لم يُحَرِّمِ اللَّه عز وجل واللفظةَ تَقْتَضِي النهي عن السَّرَفِ مُطْلَقاً، ومن تَلَبَّسَ بفعلٍ مباح، فإن مشى فيه على القَصْدِ، وأوسط الأمور، فحسن، وإن أفْرَطَ جعل أيضاً من المسرفين‏.‏

وقال ابن عَبَّاس في هذه الآية‏:‏ أحلَّ اللَّه الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفاً أو مخيلة‏.‏

قال ابن العربي‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ‏}‏ الإِسْرَافُ تَعَدِّي الحد، فنهاهم سبحانه عن تعدي الحَلاَل إلى الحرام‏.‏

وقيل‏:‏ لا يزيد على قَدْرِ الحاجة، وقد اختلف فيه على قولين؛ فقيل حرام‏.‏

وقيل‏:‏ مكروه، وهو الأصح‏.‏

فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البُلْدَانِ، والأَزْمَانِ، والإِنسان، والطعمان‏.‏ انتهى من «أحكام القرآن»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ‏}‏ أي‏:‏ قل لهم على جِهَةِ التوبيخ‏.‏ وَزِينَةُ اللَّه هي ما حَسَّنته الشَّرِيعَةُ، وقررته، وزِينَةُ الدنيا كل ما اقتضته الشَّهْوَةُ، وطلب العلو في الأرض كالمَالِ والبنين‏.‏

و ‏{‏الطَّيِّبَاتُ‏}‏ قال الجمهور‏:‏ يريد المُحَلّلات‏.‏

وقال الشافعي وغيره‏:‏ هي المُسْتَلَذَّاتُ أي‏:‏ من الحلال، وإنما قاد الشَّافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوَزَغِ ونحوهَا، فإنه يقول‏:‏ هي من الخَبَائِث‏.‏

* ت *‏:‏ وقال مكي‏:‏ المعنى قل مَنْ حَرَّمَ زينة اللَّه، أي‏:‏ اللِّبَاس الذي يزين الإنسان بأَن يستر عَوْرَتهُ، ومن حرم الطيبات من الرزق المُبَاحَةِ‏.‏

وقيل عنى بذلك ما كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ تحرمه من السوائب والبَحَائِر‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة‏}‏ قال ابن جُبَيْرٍ‏:‏ المعنى‏:‏ قل هي للذين آمَنُوا في الحَيَاةِ الدنيا يَنْتَفِعُونَ بها في الدُّنْيَا، ولا يتبعهم إثمها يوم القِيَامَةِ‏.‏

وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم‏:‏ المعنى هو أن يخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الطَّيبات المَوْجُودَاتِ هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا، وإن كانت أيْضاً لغيرهم معهم، وهي يوم القيامة خالصة لهم، أي‏:‏ لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة‏.‏

وقرأ نافع وحده «خالصةٌ» بالرفع، والباقون بالنَّصْب‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ كما فَصَّلنا هذه الأشياء المتقدمة الذِّكر ‏{‏نُفَصِّلُ الآيات‏}‏ أي‏:‏ نبين الأمَارَاتِ، والعَلاَمَاتِ، والهِدَايَاتِ لقوم لهم علم ينتفعون به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لما تقدم إنكار ما حرمه الكُفَّار بآرائهم أتبعه بذِكْرِ ما حرم اللَّه عز وجل‏.‏

والفَوَاحِشُ في اللغة ما فَحُشَ وشنع، وأصله من القُبْحِ في النظر، وهي هنا إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه، فكل ما حرمه الشَّرْعُ، فهو فاحش، والإثم لفظ عام في جَمِيعِ الأفعال والأقوال التي يَتَعَلَّقُ بمرتكبها إثم‏.‏ هذا قول الجمهور‏.‏

وقال بعض الناس‏:‏ هي الخَمْرُ وهذا قول مردود؛ لأن هذه السورة مَكيّة، وإنما حرمت الخَمْرُ ب «المدينة» بعد أُحد ‏{‏والبغي‏}‏ التعدي، وتجاوز الحد‏.‏

‏{‏وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ من أنه حرم البَحِيرَةَ والسائبة ونحوه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 36‏]‏

‏{‏وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏34‏)‏ يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏35‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ‏}‏ المعنى‏:‏ ولكل أمة أجل مُؤَقَّت لمجيء العَذَابِ إذا كفروا، وخالفوا أَمْرَ ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك‏.‏ قاله الطبري وغيره‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏سَاعَةً‏}‏ لفظ عين به الجزء القليل من الزمان، والمراد جميع أجزائه، والمعنى‏:‏ لا يستأخرون سَاعَة، ولا أقل منها، ولا أكثر‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يابني آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * والذين كَذَّبُواْ بآياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون‏}‏ الخِطَابُ في هذه الآية لجميع العالم، و«إن» هي الشرطية دخلت عليها «ما» مؤكدة، وكان هذا الخطاب لجميع الأُمم قَدِيمِها وحَدِيثِهَا هو متمكن لهم، ومتحصِّل منه لحاضري نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا حُكْمُ اللَّه في العالم منذ أنشأه، ‏{‏ويَأْتِيَنَّكُمْ‏}‏ مستقبل وُضِعَ موضع ماضٍ ليفهم أن الإتيان بَاقٍ وَقْتَ الخطاب، لِتَقْوَى الإشارة بصِحَّةِ النبوءة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا على مُرَاعَاةِ وَقْتِ نزول الآية‏.‏

وأسند الطَّبَري إلى أبي سَيَّارٍ السُّلمي قال‏:‏ ‏"‏ إن اللَّه سبحانه خَاطَبَ آدم وذُريته، فقال‏:‏ ‏{‏يابني آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال‏:‏ ثم نَظَر سبحانه إلى الرُّسُل، فقال‏:‏ ‏{‏ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 51، 52‏]‏ ‏"‏ الحديث‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولا مَحَالَةَ أن هذه المُخَاطَبَة في الأزل‏.‏

وقيل‏:‏ المراد بالرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذَكَرَهُ النقاش ‏{‏ويَقُصُّونَ‏}‏ أي‏:‏ يسردون، ويوردون، «والآيات» لَفْظٌ جامع لآيات الكُتُب المنزلة، وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، ونفي الخوف والحزن يعم جَمِيعَ أنواع مَكَارِهِ النَفس وأَنْكَادِهَا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بآياته‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية وَعِيدٌ واستفهام على جهة التقرير، أي‏:‏ لا أحد أظلم منه، والكتاب هو اللوح المَحْفُوظُ في قول الحَسَنِ وغيره‏.‏

وقيل‏:‏ ما تكتبه الحَفَظَةُ، ونصيبهم من ذلك هو الكُفْرُ وَالمَعَاصي‏.‏ قاله مجاهد، وغيره‏.‏

وقيل‏:‏ هو القرآن، وحَظُّهم فيه سَوَادُ الوجوه يوم القيامة‏.‏

وقال الربيع بن أنس، وغيره‏:‏ المعنى بالنصيب مَا سَبَقَ لهم في أُم الكتاب من رِزْق، وعمر، وخير وشر في الدنيا، ورجحه الطبري‏.‏

واحتج له بقوله تعالى بعد ذلك‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا‏}‏ أي‏:‏ عند انقضاء ذلك، فكان معنى الآية على هذا التأويل‏:‏ أولئك يتمتعون، ويتصرَّفُونَ في الدنيا بِقَدْرِ ما كتب لهم حتى إِذا جاءتهم رُسُلنا لموتهم؛ وهذا تأويل جَمَاعَةٍ، وعلى هذا يترتّبُ ترجيحُ الطبري‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ ‏{‏رُسُلُنَا‏}‏ يريد بهم مَلاَئِكَةَ العَذَابِ يوم القيامة، و‏{‏يَتَوَفَّوْنَهُمْ‏}‏ معناه عندهم يستوفونهم عَدَداً في السوق إلى جهنم‏.‏

وقوله سبحانه حكايةً عن الرسل ‏{‏أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ‏}‏ استفهام تقرير، وتوبيخ، وتوقيف على خِزْيٍ، ‏{‏وتَدْعُونَ‏}‏ معناه‏:‏ تعبدون، وتؤمِّلُون‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏ضَلُّواْ عَنَّا‏}‏ معناه‏:‏ هلكوا، وتلفوا، وفقدوا‏.‏

ثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 39‏]‏

‏{‏قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏38‏)‏ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَ ادخلوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الجن والإنس فِي النار‏}‏ هذه حكاية ما يَقُولُ اللَّه سبحانه لهم يَوْمَ القيامة، بواسطة ملائكة العَذَابِ، نسأل اللَّه العافية‏.‏ وعبر عن يقول ب «قال» لتحقُّق وقوع ذلك، وصدق القصة، وهذا كثير، و‏{‏خَلَتْ‏}‏ حكاية عن حَالِ الدنيا، أي‏:‏ ادخلوا في النَّار في جملة الأمم السابقة لكم في الدنيا الكافرة‏.‏

* ت *‏:‏ وكذا قدره أبو حَيَّانَ في جملة «أمم»، قال‏:‏ وقيل‏:‏ «في» بمعنى «مع» أي‏:‏ مع أمم، وتقدم له في «سورة البقرة» أن «في» تجيء للمُصَاحَبَةِ، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ادخلوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ‏}‏ انتهى‏.‏

وقدم ذِكْرَ الجن؛ لأنهم أَعْرَقُ/ في الكفر، وإبليس أَصْلُ الضلال والإغواء، وهذه الآية نص في أن كفرة الجنِّ في النار، والذي يقتضيه النظر أن مُؤمنيهم في الجَنَّةِ؛ لأنهم عُقَلاَءُ، مُكَلَّفُونَ، مبعوث إليهم، آمنوا وصدقوا، وقد بَوَّب البخاري رحمه اللَّه باباً في ذِكْرِ الجن، وثوابهم، وعقابهم‏.‏

وذكر عبد الجليل‏:‏ أن مؤمني الجن يكونون تُرَاباً كالبهائم، وذكر في ذلك حديثاً مجهولاً، وما أَراه يصحُّ‏.‏ واللَّه أعلم‏.‏ والإِخْوَةُ في هذه الآية إِخْوَةُ الملة‏.‏

قال * ص *‏:‏ في «النار» متعلق ب «خَلَتْ»، أو بمحذوف، وهو صفة ل «أمم» أي‏:‏ في أمم سابقة، في الزمان كائنة، من الجن والإنس كائنة في النار، ويحتمل أن يتعلق ب «ادخلوا» على أن «في» الأولى بمعنى «مع»، والثانية للظرفية، وإذا اختلف مَدْلُول الحرفين، جاز تعلقهما بمحلٍّ واحد‏.‏ انتهى‏.‏

‏{‏اداركوا‏}‏ معناه‏:‏ تلاحقوا، أصله‏:‏ تداركوا أدغم، فجلبت ألف الوَصْل‏.‏

وقال البخاري‏:‏ ‏{‏اداركوا‏}‏ اجتمعوا‏.‏ انتهى‏.‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهم‏}‏ معناه‏:‏ قالت الأمم الأخيرة التي وجدت ضلالات متقررة، وسنناً كاذبةً مستعملة للأولى التي شرعت ذلك، وافترت على اللَّه، وسَلَكَتْ سبيل الضَّلال ابتداءً ‏{‏رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا‏}‏، أي‏:‏ طرقوا لنا طُرُقَ الضلال، ‏{‏قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ‏}‏ أي‏:‏ عذاب مشدَّد على الأول والآخر ‏{‏ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ‏}‏ أي المقادير، وصور التضعيف‏.‏

قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَتْ أولاهم لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ‏}‏ أي‏:‏ قد اسْتَوَتْ حالنا وحالكم ‏{‏فَذُوقُواْ العذاب‏}‏ باجْتَرَامِكُمْ، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخّرة‏.‏

وقيل‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فَذُوقُواْ‏}‏ هو من كَلاَمِ اللَّه عز وجل لجميعهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 42‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ‏(‏40‏)‏ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ‏(‏41‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بآياتنا واستكبروا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة‏}‏ الآية، هذه الآية عامة في جميع الكَفَرَةِ قديمهم وحديثهم‏.‏

قرأ نافع وغيره‏:‏ «تُفَتَّح» بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو‏:‏ «تُفْتَح» بالتاء أيضاً وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة «يفتح» بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية‏:‏ لا يرتفع لهم عَمَلٌ، ولا روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين‏.‏ قاله ابن عباس، وغيره‏.‏

ثم نفى سبحانه عنهم دُخُولَ الجنة، وعلق كونه بِكَوْنٍ محال، وهو أن يدخل الجمل في ثُقْبِ الإبرة حيث يدخل الخَيْطُ، والجمل كما عهد، والسَّمّ كما عهد، وقرأ جمهور المسلمين «الجمل» واحد الجمال، وقرأ ابن عباس «الجُمّل» بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حَبْلُ السفينة والسَّمُّ‏:‏ الثقب من الإبرة وغيرها، و‏{‏كذلك‏}‏ أي‏:‏ وعلى هذه الصفة، وبمثل هذا الحتم، وغيره نجزي الكفرة وأهل الجَرَائِمِ على اللَّه‏.‏

‏{‏لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ‏}‏ أي‏:‏ فراش، ومسكن، ومضجع يتمهَّدُونه، وهي لهم غَوَاشٍ جمع غاشية، وهي ما يَغْشَى الإنسان أي‏:‏ يغطيه، ويستره من جهة فَوْق‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أولئك أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون‏}‏ هذه آية وعد مخبرةٌ أن جميع المؤمنين هم أصْحَابُ الجنة، ولهم الخُلْدُ فيها، ثم اعترض فيها القَوْل بعقب الصِّفَةِ التي شرطها في المؤمنين باعتراض يُخَفِّفُ الشرط، ويرجى في رحمة اللَّه، ويعلم أن دينه يُسْر، وهذه الآية نصٌّ في أن الشريعة لا يَتَقَرَّرُ من تكاليفها شَيْءٌ لا يُطَاقُ، وقد تقدم ذلك في «سورة البقرة»‏.‏

«والوُسْعُ» معناه‏:‏ الطاقة، وهو القدر الذي يَتَّسِعُ له البشر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ‏}‏ هذا إخبار من اللَّه عز وجل أنه ينقي قُلُوبَ ساكني الجنة من الغِلِّ، والحِقْدِ، وذلك أن صاحب الغل مُعَذَّبٌ به، ولا عذاب في الجَنَّةِ‏.‏

وورد في الحديث‏:‏ ‏"‏ الغلُّ على بَابِ الجنة كَمَبَارِكِ الإِبِلِ قد نَزَعَهُ اللَّه من قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ‏"‏‏.‏ والغل الحِقْدُ والإِحنة الخَفِيَّةُ في النفس‏.‏ ‏{‏وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذي هدانا لهذا‏}‏ الإِشارة ب «هذا» يتجه أن تكون إلى الإيمان، والأعمال الصالحات المؤدية إلى الجنة، ويحتمل أن تكون إلى الجنة نَفْسِهَا، أي‏:‏ أرشدنا إلى طرقها‏.‏

وقرأ ابن عمر وَحْدَهُ‏:‏ «ما كنا لنهتدي» بسقوط الواو، وكذلك هي في مَصَاحِف أهل «الشام»، ووجهها أن الكَلاَمَ مُتَّصِلٌ، مرتبط بما قبله‏.‏

ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن اللَّه سبحانه، وَعَايَنُوا إنجاز المواعيد قالوا‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق وَنُودُواْ‏}‏ أي‏:‏ قيل لهم بِصِيَاحٍ، وهذا النداء من قِبَلِ اللَّه، «وأن» مفسرة لمعنى النداء، بمعنى‏:‏ أي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ لا على طَرِيق وجوب ذلك على اللَّه تعالى لكن بقرينة رحمته، وتغمده، والأعمال أمارة من اللَّه سبحانه وطريق إلى قوة الرَّجَاء، ودخولُ الجَنَّة إنما هو بِمُجَرَّدِ رحمته، والقَسْمُ فيها على قدر العمل‏.‏ «وأورثتم» مشيرة إلى الأَقْسَام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 46‏]‏

‏{‏وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ‏(‏44‏)‏ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ ‏(‏45‏)‏ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

هذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تَقْرِيعٌ، وتوبيخ، وزيادة في الكَرْبِ، وهو بأن يشرفوا عليهم، ويخلق الإدراك في الأسماع والإبصار‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ أعلم معلم، والظالمون هنا هم الكافرون‏.‏

* ت *‏:‏ قلت‏:‏ حكي عن غير وَاحِدٍ أن طاوس دخل على هشام بن عبد الملِكِ فقال له‏:‏ اتّقِ لله، واحْذَرْ يوم الأذان، فقال‏:‏ وما يوم الأذان‏؟‏ فقال قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين‏}‏ فصعق هشام، فقال طاوس‏:‏ هذا ذُلُّ الوَصْفِ، فكيف ذل المُعَايَنَةِ انتهى‏.‏

‏{‏وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً‏}‏ أي‏:‏ يطلبونها، أو يطلبون لها، والضمير في ‏{‏يَبْغُونَهَا‏}‏ عائد على السَّبيل‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم‏}‏‏.‏

‏{‏وَبَيْنَهُمَا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بين الجنة والنار، ويحتمل بين الجَمْعَيْنِ، والحِجَابُ هو السور الذي ذكره اللَّه عز وجل في قوله‏:‏ ‏{‏فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 13‏]‏‏.‏

قال ابن عباس، وقال مجاهد‏:‏ الأعراف حجاب بين الجنة والنار‏.‏

وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ هو تَلٌّ بين الجنة والنار‏.‏

وذكر الزَّهْرَاوِيُّ حديثاً أَن رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن أُحُداً جَبَلٌ يحبنا ونحبُّه، وإِنَّه يَوْمَ القِيَامَةِ يمثلُ بينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَحْتَبِسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ، يعرفون كُلاًّ بِسِيماهُمْ، هُمْ إِن شَاءَ اللَّه من أَهْلِ الجَنَّةِ ‏"‏‏.‏ والأعراف جمع عرف، وهو المرتفع من الأرض، ومنه عُرْفُ الفرس، وعرف الديك لعلوِّهُمَا‏.‏

وقال بعض الناس‏:‏ سُمِّيَ الأعراف أَعرافاً؛ لأن أصحابه يعرفون الناس‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذه عُجْمَةٌ، وإنما المراد على أعراف ذلك الحِجَاب، أي أعاليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏رِجَالٌ‏}‏ قال الجمهور‏:‏ إنهم رِجَالٌ من البَشَرِ، ثم اختلفوا في تعيينهم، فقال شرحبيل بن سَعْدٍ‏:‏ هم المستشهدون في سَبِيلِ اللَّه الذين خَرَجُوا عُصَاةً لآبائِهِم‏.‏

وذكر الطَّبَرِيُّ في ذلك حَدِيثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه تعادل عُقُوقُهم، واستشهادهم‏.‏

وقال ابن عباس، وغيره‏:‏ هم قوم اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وسيئاتهم، ووقع في «مسند خيثمة بن سليمان» في آخر الجزء الخامس عشر عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّه؛ قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ تُوضَعُ المَوَازِينُ يوم القيامة، فتوزن الحَسَنَاتُ والسَّيِّئَاتُ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سيئاته مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل الجَنَّةَ، ومن رَجَحَتْ سيئاته على حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل النار‏.‏ قيل‏:‏ يا رَسُولَ اللَّه؛ فمن استوت حَسَنَاتُهُ وسيئاته‏؟‏ قال‏:‏ أولئك أصحاب الأَعْرَافِ لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعُون ‏"‏‏.‏ وقيل غير هذا من التَّأويلات‏.‏

قال ع‏:‏ واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السُّور، أو على مواضع مرتفعة عن الفَرِيقَيْنِ حيث شاء اللَّه تعالى رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار‏.‏

و ‏{‏يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم‏}‏، أي‏:‏ بِعَلاَمَاتِهِمْ من بياض الوجوه، وحُسْنِهَا في أهل الجنة، وسَوَادِهَا وقبحها في أهل النَّارِ إلى غير ذلك في حَيِّزِ هؤلاء، وحيز هؤلاء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ‏}‏ المراد به‏:‏ أهل الأعراف فقط، وهو تأويل ابن مَسْعُودٍ، والسدي، وقتادة، والحسن وقال‏:‏ واللَّه ما جعل اللَّه ذلك الطَّمَعَ في قلوبهم إلا لخير أَرَادَهُ بهم‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا هو الأظهر الأليق مما قيل في هذه الآية، ولا نَظَرَ لأَحَدٍ مع قول النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 49‏]‏

‏{‏وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏47‏)‏ وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏48‏)‏ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم‏}‏ أي‏:‏ أبصار أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة، وإذا نظروا إلى النار، وأهلها، قالوا‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين‏}‏ قاله ابن عباس، وجماعة من العلماء‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً يَعْرِفُونَهُم بسيماهم‏}‏ يريد من أهل النار‏.‏

‏{‏مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ‏}‏ «ما» استفهام بمعنى التَقْرِيرِ، والتوبيخ، و«ما» الثانية مصدرية، و«جمعكم» لفظ يعم المال والأَجْنَادَ والخَوَلَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادخلوا الجنة‏}‏ أهل الأعراف هم القائلون‏:‏ «أهؤلاء» إشارة إلى أهل الجنة، والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى‏:‏ أهؤلاء الضُّعَفَاء في الدنيا الذين حَلَفْتُمْ أن اللَّه لا يَعْبَؤ بهم، قيل لهم‏:‏ ادخلوا الجنة‏.‏

وقال النقاش‏:‏ اقسم أهْلُ النَّارِ أن أصحاب الأعراف داخلون النَّارَ معهم، فنادتهم المَلاَئِكَةُ‏:‏ أهؤلاء، ثم نادت أصحاب الأَعْرَافِ‏:‏ ادخلوا الجنة‏.‏

وقرأ عكرمة‏:‏ «دخلوا الجَنَّة» على الإخْبَارِ بفعل مَاضٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 53‏]‏

‏{‏وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏50‏)‏ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ‏(‏51‏)‏ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏52‏)‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لفظة النداء تتضمن أن أهل النار وَقَعَ لهم علم بأن أهل الجَنَّة يسمعون نِدَاءَهُمْ، وجائز أن يكون ذلك، وهم يرونهم بإِدراك يجعله اللَّه لهم عَلَى بُعْدِ السُّفْلِ من العلو، وجائز أن يكون ذلك، وبينهم السُّورُ والحجاب المتقدم الذِّكْر‏.‏

وروي أن ذلك النداء هو عند اطِّلاَع أهل الجنة عليهم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله‏}‏ إشارة إِلى الطعام‏.‏ قاله السدي‏.‏

فيقول لهم أهل الجنة‏:‏ إن اللَّه حَرَّمَ طعام الجَنَّةِ وشَرَابَهَا على الكافرين، وإجابة أهل الجنة بهذا الحُكْمِ هو عن أَمْرِ اللَّه تعالى‏.‏

ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً‏}‏ أي بالإِعْرَاضِ والاستهزاء‏.‏ بِمَنْ يدعوهم إلى الإسلام‏.‏

‏{‏وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا‏}‏ أي‏:‏ خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغَايَةُ القصوى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فاليوم ننساهم‏}‏ هو من إخبار اللَّه عز وجل عما يَفْعَلُ بهم والنسيان هنا بمعنى التَّرْكِ، أي‏:‏ نتركهم في العذاب، كما تركوا النَّظَر للقاء هذا اليوم‏.‏ قاله ابن عباس وجماعة‏.‏

و«ما كانوا» عطف على «ما» من قوله‏:‏ «كما نسوا»، ويحتمل أن تقدر «ما» الثانية زائدة، ويكون قوله‏:‏ «وكانوا» عَطْفاً على قوله‏:‏ «نسوا»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جئناهم بكتاب‏}‏ الضمير في «جئناهم» لمن تَقَدَّم ذكره، و«الكتاب» اسم جنس، واللام في «لقد» لام قَسَم‏.‏

وقال يحيى بن سلام‏:‏ بل الكلام تَمَّ في ‏{‏يَجْحَدُونَ‏}‏، وهذا الضمير لمكذبي نبينا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وهو ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن، و‏{‏على عِلْمٍ‏}‏ معناه‏:‏ على بَصِيرَةٍ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ‏}‏ أي ينتظرون ‏{‏إِلاَّ تَأْوِيلَهُ‏}‏، أي مآله وعاقبته يوم القيامة‏.‏ قاله ابن عباس وغيره‏.‏

وقال السدي‏:‏ مآله في الدنيا وقعة بَدْرٍ وغيرها، ويوم القيامة أيضاً، ثم أخبر تعالى أن مآل حال هذا الدين يوم يأتي يَقَعُ معه نَدَمُهُمْ، ويقولون تأسُّفاً على ما فاتهم من الإيمان‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق‏}‏، فالتأويل على هذا من آل يؤول، ‏{‏وَنَسُوهُ‏}‏ يحتمل أن يكون بمعنى الترك، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

* ت *‏:‏ وهذا التقرير يُرَجِّحُ تأويل ابن سلام المتقدم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 55‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏54‏)‏ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‏(‏55‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية خطاب عام يقتضي التوحيد، والحجة عليه بدلائله، وجاء في التفسير، والأحاديث أن اللَّه سبحانه ابتدأ الخَلْقَ يوم الأَحدِ، وكملت المَخْلُوقَاتُ يوم الجمعة، وهذا كله والساعة اليَسِيرَةُ في قُدْرَةِ اللَّه سبحانه سواء‏.‏

قال * م *‏:‏ ‏{‏فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏}‏ «ستة» أصلها سِدْسَة، فأبدلوا من السِّين تاء، ثم أدغموا الدال في التاء، وتصغيره سديس وسديسة‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏استوى عَلَى العرش‏}‏ معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين‏:‏ الملك، والسلطان، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له؛ إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلاَ لَهُ الخلق والأمر‏}‏ «ألا»‏:‏ استفتاح كلام‏.‏ وأخذ المفسرون «الخَلْق» بمعنى المخلوقات، أي‏:‏ هي كلها مِلْكُهُ، واختراعه، وأخذوا الأمر مَصْدَراً من أمر يأمر‏.‏

قال * ع *‏:‏ ويحتمل أن تؤخذ لفظة «الخَلْقِ» على المصدر من‏:‏ خلق يخلق خَلْقاً، أي‏:‏ له هذه الصفة؛ إذ هو المُوجِدُ للأشياء بعد العَدَمِ، ويؤخذ الأمر على أنه واحد الأمورِ، فيكون بمنزلة قوله‏:‏ ‏{‏وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 123‏]‏ ‏{‏وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 210‏]‏‏.‏

وكيف ما تَأَوَّلَتِ الآية، فالجميع للَّه سبحانه‏.‏

و ‏{‏تبارك‏}‏ معناه‏:‏ عظم، وتعالى، وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا اللَّه سبحانه‏.‏

و ‏{‏تبارك‏}‏ لا يَتَصَرَّفُ في كلام العرب، فلا يقال منه‏:‏ يتبارك، و‏{‏العالمين‏}‏ جمع عالم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين‏}‏ هذا أمر بالدعاء، وتعبد به، ثم قرن سبحانه بالأَمْرِ به صفات تحسن معه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏تَضَرُّعاً‏}‏ معناه بخشوع، واستكانة، والتضرع لفظة تَقْتَضِي الجَهْرَ، لأن التضرع إنما يكون بإشَارَاتِ جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، و‏{‏وَخُفْيَةً‏}‏ يريد في النفس خاصة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على ذلك في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 3‏]‏، ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ ‏"‏ والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أَجْراً من الجَهْرِ‏.‏

* ت *‏:‏ ونحو هذا لابن العربي لما تكلَّمَ على هذه الآية، قال‏:‏ الأَصْلُ في الأعمال الفرضية الجَهْرُ، والأصل في الأعمال النَّفْلية السِّرُّ، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرِّيَاءِ، والتَّظَاهُر بذلك في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وقلوب الخَلْقِ جُبِلَتْ بالمَيْلِ إلى أهل الطاعة‏.‏ انتهى من «الأحكام»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين‏}‏ يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامّاً، والاعتداء في الدعاء على وجوه منها‏:‏ الجَهْرُ الكثير، والصياح، وفي «الصحيح» عنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أيها النَّاسُ ارْبَعُوا على أَنفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِباً ‏"‏‏.‏ ومنها‏:‏ أن يدعو في مُحَالٍ، ونحو هذا من التشطُّط؛ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالُّ‏:‏

‏"‏ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعَاءِ، وحَسْبُ المرء أن يَقُولَ‏:‏ اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّب إِلَيْهَا من قَوْلٍ، أو عَمَلٍ، وأَعُوذُ بك من النَّارِ، وما قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلِ، أو عَمَلٍ ‏"‏‏.‏ وقال البخاري‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين‏}‏ أي‏:‏ في الدعاء وغيره‏.‏ انتهى‏.‏

* ت *‏:‏ قال الخطابي‏:‏ وليس معنى الاعْتِدَاءِ الإكثار، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدّعاءِ ‏"‏، وقال‏:‏ ‏"‏ إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَكْثرْ، فإنما هُوَ يَسْأَلُ رَبَّهُ ‏"‏ انتهى‏.‏

وروى أبو داود في «سُنَنَهِ» عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ قوم يَعْتَدُونَ في الطُّهْرِ وَالدُّعَاءِ ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏56‏]‏

‏{‏وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ألفاظها عامة تتضمن كل فَسَادٍ قَلّ أو كثر بعد صَلاَحٍ قل أو كثر، والقَصْدُ بالنهي هو ‏[‏على‏]‏ العموم، وتخصيص شيء دون شَيْءٍ، في هذا تحكم إلا أن يُقَالَ على جهة المثال‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وادعوه خَوْفًا وَطَمَعاً‏}‏ أمر بأن يكون الإنسان في حالة تقرب، وتحرز، وتأميل للَّه عز وجل حتى يَكُونَ الخَوْفُ والرجاء كالجَنَاحَيْنِ للطير يَحْمِلاَنِهِ في طريق استقامة، وإن انفرد أحدهما هَلَكَ الإنسان‏.‏

وقد قال كثير من العلماء‏:‏ ينبغي أن يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَّجَاءَ طُولَ الحياة، فإذا جاء المَوْتُ غلب الرَّجَاءُ‏.‏

وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخَوْفُ أغلب على المَرْءِ بكثير، وهذا كله طَرِيقُ احتياط، ومنه تَمَنَّى الحسن البصري أَن يَكون الرَّجُل الذي هو آخِرُ مَنْ يدخل الجَنَّةَ، وتمنى سَالِمٌ مولى أبي حذيفة أن يكون من أَصْحَابِ الأَعْرَافِ‏.‏

ثم آنسَ سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 58‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏57‏)‏ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه آية اعتبار، واستدلال‏.‏ وقرأ عاصم الرياح بالجَمْعِ، «بُشْراً» بالباء المضمومة والشين الساكنة، وروي عنه «بُشُراً» بضم الباء والشين، ومن جمع الريح في هذه الآية، فهو أسعد؛ وذلك أن الرِّيَاحَ حيث وَقَعَتْ في القرآن فهي مقترنة بالرحمة، كقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 46‏]‏ وأكثر ذِكْرِ الريح مفردة إنما هو بقرينة عَذَابٍ، كقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 41‏]‏ وقد تقدم إيضاح هذا في «سورة البقرة»‏.‏

ومن قرأ في هذه الآية «الريح» بالإفراد، فإنما يريد به اسْمَ الجِنْسِ، وأيضاً فتقييدها ب «بشراً» يزيل الاشتراك‏.‏

والإِرْسَالُ في الريح هو بمعنى الإجراءِ، والإطلاق، وبُشْرَاً، أي‏:‏ تَبْشُرُ السحابَ، وأما «بُشُراً» بضم الباء والشين، فجمع بَشِير، كنذير ونُذُور، والرحمة في هذه الآية المَطَرُ، و‏{‏بَيْنَ يَدَيْ‏}‏، أي‏:‏ أمام رحمته وقدامها، و‏{‏أَقَلَّتْ‏}‏ معناه‏:‏ رفعته من الأرض، واسْتَقَلَّتْ به، و‏{‏ثِقَالاً‏}‏ معناه من الماء، والعَرَبُ تَصِفُ السحاب بالثّقَلِ، والرِّيحُ تَسُوقُ السحاب من ورائه فهو سوق حقيقة، والضمير في ‏{‏سقناه‏}‏ عائد على السحاب، ووصف البلد بالمَوْتِ استعارة بسبب شعثه وجدوبته‏.‏

والضمير في قوله ‏{‏فَأَنزَلْنَا بِهِ‏}‏ يحتمل أن يَعُودَ على السحاب، أي منه، ويحتمل أن يعود على البلد، ويحتمل أن يعود على الريح‏.‏

وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏كذلك نُخْرِجُ الموتى‏}‏ يحتمل مقصدين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يراد كهذه القُدْرَةِ العظيمة هي القدرة على إِحْيَاءِ الموتى، وهذا مثال لها‏.‏

الثاني‏:‏ أن يراد أن هكذا نَصْنَعُ بالأموات من نزول المَطَرِ عليهم، حتى يحيوا به، حَسَبَ ما وردت به الآثار، فيكون الكَلاَمُ خبراً لا مثالاً‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ آية مُتَمِّمَةٌ للمعنى الأول في الآية قبلها، معرفة بِعَادَةِ اللَّه سبحانه في إنبات الأرضين، فمن أراد أن يجعلها مِثَالاً لقلب المؤمن، وقلب الكافر، كما هو محكي عن ابن عَبَّاسٍ، ومجاهد، وقتادة، والسدي، فذلك مترتب، لكن أَلْفَاظَ الآية لا تقتضي أن المَثَل قصد به ذلك، والطيب‏:‏ هو الجَيِّدُ التُّرَابِ الكريمُ الأَرْضِ وخص بإذن ربه مَدْحاً وتشريفاً، وهذا كما تقول لمن تغضُّ منه‏:‏ أنت كما شَاءَ اللَّه، فهي عبارة تعطي مُبَالَغَةً في مَدْحٍ أو ذم‏.‏ والخبيث هو السّبَاخُ ونحوها من رَدِيء الأرض‏.‏

والنَّكدُ العَسِيرُ القليل‏.‏ ‏{‏كذلك نُصَرِّفُ الآيات‏}‏ أي هكذا نبين الأمور، و‏{‏يَشْكُرُونَ‏}‏ معناه‏:‏ يؤمنون ويثنون بآلآءِ اللَّه سبحانه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 64‏]‏

‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏59‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏60‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏61‏)‏ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏62‏)‏ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏63‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُم مِّنْ إله غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ * قَالَ ياقوم لَيْسَ بِي ضلالة ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين * أُبَلِّغُكُمْ رسالات رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

قال الطبري‏:‏ أقسم اللَّه تعالى أنه أرسل نوحاً، وكذا قال أبو حيان‏:‏ «لقد» اللام جواب قسم محذوف‏.‏ انتهى‏.‏

و«غَيْرُهُ» بالرفع بَدَلٌ من قوله‏:‏ ‏{‏مِّنْ إله‏}‏؛ لأنه في موضع رَفْعٍ، ويجوز أن يكون نَعْتاً على الموضع؛ لأن التقدير؛ ما لكم إله غيره، والمَلأُ الجماعة من الأشراف‏.‏

قيل‏:‏ إنهم مأخوذون من أنهم يملؤون النَّفْسَ والعَيْنَ، ويحتمل من أنه إذا تمالؤوا على أَمْر تمّ‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَنَرَاكَ‏}‏ يحتمل من رُؤْيَةِ البصر، ويحتمل من رؤية القَلْبِ، وهو أظهر‏.‏

و ‏{‏فِي ضلال‏}‏ أي في تَلَفٍ وجهالة بما تسلك‏.‏

وقوله‏:‏ لهم جَوَابٌ عن هذا‏:‏

‏{‏لَيْسَ بي ضلالة‏}‏ مبالغة في حُسْنِ الأدب، والإعراض عن الجَفَاءِ منهم، وتناول رفيق، وسعة صدر حَسْبَ ما تقتضيه خُلُقُ النبوءة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَكِنِّي رَسُولٌ‏}‏ تعرض لمن يريد النظر، والبَحْثَ، والتأمل في المعجزة‏.‏

وقوله عليه السلام‏:‏ ‏{‏وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ لفظ مُضَمَّنُهُ الوَعِيد، لا سيما وهم لم يسمعوا قَطُّ بأمة عذبت‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * فَكَذَّبُوهُ فأنجيناه والذين مَعَهُ فِي الفلك وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بآياتنا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ‏}‏‏.‏

الاستفهام هنا على جِهَةِ التقرير والتوبيخ، وقوله‏:‏ ‏{‏على رَجُلٍ مِّنكُمْ‏}‏ قيل‏:‏ «على» بمعنى «مع»‏.‏

وقيل‏:‏ هو على حَذْفِ مضاف، تقديره‏:‏ على لسان رجل، ويحتمل أن يكون معناه منزَّل على رَجُلٍ منكم؛ إذا كل ما يأتي من اللَّه سبحانه فله حُكْمُ النزول، و‏{‏لَعَلَّكُمْ‏}‏ تَرَجٍّ بحسب حال نوح ومعتقده‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فأنجيناه والذين مَعَهُ فِي الفلك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

وفي التفسير‏:‏ إن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون رَجُلاً‏.‏

وقيل‏:‏ ثمانون رجلاً وثمانون امرأة وقيل‏:‏ عشرة وقيل‏:‏ ثمانية‏.‏ قاله قتادة‏.‏

وقيل‏:‏ سبعة‏.‏ واللَّه أعلم‏.‏

وفي كثير من كتب الحديث؛ التِّرْمذِيِّ وغيره أن جَمِيعَ الخَلْقِ الآن من ذُرِّيَّةِ نوح عليه السلام وقوله‏:‏ ‏{‏عَمِينَ‏}‏ جمع عَمٍ، ويريد عَمِيَّ البَصَائر، وأتى في حديث الشفاعة وغيره أن نُوحاً أَوَّلُ الرسل‏.‏